أحمد بن محمد المقري التلمساني

27

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أشدّ لسعة من الزنبور ، فإذا هو هي ، أو إياها » وعن نسب سيبويه : هل هو صريح أو مولّى « 1 » ؟ وعن سبب لزومه الخليل بعد أن كان يطلب الحديث والتفسير ، وعن علّة تعرضه لمناظرة الكسائي والفراء ، وعن كتابه الجاري بين الناس : هل هو أول كتاب أو أنشأه بعد كتاب أول ، ضاع كما زعم بعض الناس ؟ فأجاب : أما المسألة الزنبورية المأثورة بين سيبويه والكسائي ، أو بينه وبين الفراء على حسب الاختلاف في ذلك ، بحضرة الرشيد ، أو بحضرة يحيى بن خالد البرمكي فيما يروى ، فقد اختلفت الرواة فيها : فمنهم من زعم أنّ الكسائي أو الفراء قال لسيبويه : كيف تقول « ظننت أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور ، فإذا هو هي ، أو إياها » ؟ فأجاب سيبويه - بعد أن أطرق شيئا - « فإذا هو إياها » في بعض الأقاويل ، وزعم آخرون أنه قال « فإذا هو هي » ففيها من الاختلاف عنهم ما ترى ، فإن كان أجاب بإذا هو هي ، فقد أصاب لفظا ومعنى ، ولم تدخل عليه في جوابه شبهة ، ولا علقة لمعترض ؛ لأن « إذا » في المسألة من حروف الابتداء المتضمّنة للتعليق بالخبر ، فإذا اعتبرت المضمرين بعدها بالاسمين المظهرين لزمك أن تقول « فإذا الزنبور العقرب » أو « اللسعة اللسعة « 2 » » أي مثلها سواء ، فلو قلت « فإذا هو إياها » بنصب الضمير الأخير « 3 » للزمك أن تقول : فإذا الزنبور العقرب ، بالنصب ، وهذا لا وجه له ، فإذا لم يجز نصب الخبر المظهر فكيف يجوز نصب الخبر المضمر الواقع موقعه ؟ ويروى في المسألة أنّ الكسائي أو الفراء قال لسيبويه بعد أن أجاب برفع الضميرين على ما يوجبه القياس : كيف تقول يا بصري « خرجت فإذا زيد قائم ، أو قائما ؟ » فقال سيبويه : أقول « قائم » ولا يجوز النصب ، فقال الكسائي : أقول قائم وقائما ، والقائم والقائم ، بالرفع والنصب في الخبر مع النكرة والمعرفة ، فتأول الكسائي والفراء في اختيارهما « فإذا هو إياها » حمل الخبر المضمر في النصب على الخبر المظهر المعرفة مع الإعراب بوجه النصب ، فكأنه قال : فإذا الزنبور العقرب ، كما تقول : فإذا زيد القائم ، فيجري المعرفة في النصب مجرى النكرة ، وقولهما في هذا خطأ من جهتين : إحداهما : أنّ نصب الخبر بعد إذا لا يكون إلّا بعد تمام الكلام الأول في الاسم مع حرف المفاجأة ، ومع كون الخبر نكرة ، كقولك : خرجت فإذا زيد قائما ؟ لأنك لو قلت « خرجت فإذا زيد » تمّ الكلام ، لتعلّق المفاجأة بزيد على معنى حضوره ، ثم تبيّن حاله في المفاجأة المتعلّقة به فتقول « قائما » أي : خرجت ففاجأني زيد في هذا الحال ، وقوله في المسألة « إياها » لا يتم الكلام في

--> ( 1 ) الصريح : الخالص ، الصافي . والمولى : العجمي يستطل بحماية العربي . ( 2 ) في ه : « أو الشدة اللسعة » . ( 3 ) في ه : « الآخر » .